أعلن هنا
130 x 450

أعلن هنا
130 x 450

الأحد 17 كانون الأول 2017   -  

أخـبـار المـجـتـمـع


أراء وتعليقات ... لمن يجرؤ




الأردنيون بين رعونة نتنياهو وترهل المؤسسات


رنا الصباغ


09 ذو القعدة 1438


ينتظر الأردن الرسمي نتائج تحقيق المخابرات العامة (الشاباك) مع قاتل الفتى محمد الجواودة والطبيب بشار الحمارنة، قبل أن يقرّر الخطوات السياسية والقانونية حيال مصير الطاقم الدبلوماسي الإسرائيلي واحتمال عودته إلى مقر السفارة.
هذا التحقيق يتم بإشراف المدعي العام في إسرائيل ومستشار حكومة بنيامين نتانياهو القضائي. وتشترط عمّان أن يكون "جديا وعميقا" بحيث ينصف العائلتين المكلومتين، ويستجيب لمطالب الأردنيين المجروحين بكرامتهم، قبل أن تقبل بعودة طاقم السفارة.
فنتنياهو، هذا السياسي الأرعن حاول بحماقته ,قصر نظره وبلهوانياته الاستعراضية تحقيق مكاسب شخصية ضيقة ضد معارضيه على حساب أمن المنطقة واستقرارها. ونجح في تحويل ملف جنائي قانوني إلى أزمة دبلوماسية، تدحرجت إلى مكاسرة سياسية ساهمت في توسيع قاعدة المعارضة الشعبية لمعاهدة السلام مع إسرائيل. فإذا كانت إسرائيل تتعامل بمثل هذا الاستخفاف والاستفزاز مع بلد حيوي كالأردن، وتضرب بعرض الحائط وصايته على المقدسات الإسلامية والمسيحية - بموجب المعاهدة التي أنهت حال اللاحرب واللاسلم بين البلدين- فكيف  ستتعامل مع أعدائها أو مع دول لا ترتبط معها بمصالح استراتيجية سياسية وأمنية عميقة.
عمان  تصرّ على أنها التزمت بواجبها القانوني وانحازت لاحترام الذات وشرعة العمل الدبلوماسي بموجب معاهدة فيينا 1961. وذلك على نقيض  حكومة نتنياهو التي تحتضر أخلاقيا وإنسانيا نتيجة طريقة استقبال القاتل الفجّة. ويملك الأردن أسلحة إضافية لاعتراض نزق إسرائيل المتطاير، في حال لم يقتنع بالمسار القانوني الموعود تجاه القاتل بطريقة تقنع البلاد والعباد بأن المحاكمة تخطت المحاكمات الصورية، التي اعتادت إسرائيل عليها في حالات مشابهة.
بإمكان الأردن الإصرار على تصنيف طاقم السفارة أفرادا "غير مرغوب فيهم" وعليه يجب استبداله بالكامل، ما سيأخذ أشهرا من الإجراءات الدبلوماسية والقانونية. وقد يسحب سفيره من تل أبيب ويخفّض مستوى تمثيله الدبلوماسي هناك، أو يعلّق بعض أوجه التعاون الثنائي والأمني. وربما يستثمر في تداعيات أزمة المسجد الأقصى والجريمة بحق مواطنين أردنيين، للضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترامب حتى يكشف عن سياساته حيال المنطقة وينقذ ما تبقّى من فرص لحل الدولتين. ويزداد الأمل في حفز الكونغرس على منح المملكة – المحاصرة بنيران الجيران- مزيدا من الدعم المالي.
إسرائيل، وبحسب مصادر دبلوماسية، تتعامل مع موضوع التحقيق بجدّية عالية وتدرس وسائل للاعتذار للشعب الاردني وتقديم القاتل للعدالة مع كل ما يتطلبه الأمر من تبعات. 
فمن المستبعد أن تصل إلى درك من الغباء بحيث تضرّ بتحالفاتها مع دول عربية غير مرتبطة معها باتفاقيات سلام، لكنها تغزل معها بصمت في المعركة ضد إرهاب داعش وأخواتها. ويتوقع أن يتراجع نتنياهو عن حساباته الانتهازية الرخيصة، حين يدرك أن الثمن سيكون مرتفعا. فعلها سابقا عام 1997 بعد فشل محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي السابق لحماس خالد مشعل في عمّان، إذ استمر أسابيع أو أشهرا قبل الحسم. وستزاول السفارة أعمالها مجددا في أجواء شعبية أكثر عدائية ومواقف رسمية أكثر تشددا قائمة على شعور متنام بأن تل أبيب تتعامل مع عمان، وفق قالب استعماري. 
ومن المهم إدراك أن العلاقات الأردنية-الاسرائيلية تتجه نحو مزيد من التصادم على عديد جبهات على المديين المتوسط والبعيد؛ بفعل صعود نفوذ قوى التطرف الديني في إسرائيل وممارسات تل أبيب تجاه دور الأردن في حماية المقدسات، وفوق تعدي إسرائيل السافر على مصالح الأردن العاليا؛ اي تدمير فرص قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا وقابلة للحياة، ما يبقي مصير قرابة ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية معلقا ومفتوحا على احتمالات شتّى.
عودة إلى عمان وحكومة الدكتور هاني الملقي، التي تختفي مرة أخرى عن مسرح جريمة السفارة الإسرائيلية، وقبلها عن عملية الجفر، فضلا عن فشلها في إطلاع الناس على مجريات الأحداث في الوقت المناسب. كل ذلك سرّع من تحويل ملف جنائي إلى  أزمة خارجية/ داخلية خطيرة تقع في صلب العلاقة بين الحكومة والمواطنين، عنوانها الأكبر انهيار الثقة في قدرة السلطة التنفيذية على احترام ولايتها العامة. تداعيات جريمتي الرابية  كشفت أن مسنّنات العمل في المؤسسات لا تنزلق بكفاءة بسبب التجريف السياسي وتداخل المسؤوليات، ما أثّر على قدرتها على أداء واجباتها. يترافق ذلك مع تدني الحس السياسي لدى حكومة الملقي، التي أسعفها تدخّل الملك عبدالله الثاني شخصيا وزيارته بيتي عزاء الشهيدين، ثم وعده بأن دماءهما لن تذهب دون قصاص.
الارتباك بدأ مع أول بيان للأمن العام، الذي تحدّث عن انتهاء التحقيق الأولي في القضية. حمّل ذلك البيان الفتى الجواودة مسؤولية ما دار داخل مبنى جزء منه مؤجر لدبلوماسيين إسرائيليين، في وقت كانت وسائل إعلام إسرائيلية تنشر أدق تفاصيل ما جرى، ثم وصول المتهم وطاقم السفارة إلى بلادهم. ثم خطف الأرعن الأضواء باستقباله المجرم كبطل وإطلاقه تصريحات مستهترة "كهربت الأردنيين". استمر التخبط الحكومي يوم الثلاثاء. غاب الرئيس وترك الأمر لوزرائه الثلاثة – الخارجية وشؤون الإعلام والشؤون القانونية. عقد الوزراء مؤتمرا صحفيا لشرح ملابسات القضية والتزامات الأردن الدولية في موضوع الحصانة الدبلوماسية. بالتزامن، غضب نوّاب عقب شروحات وزير الداخلية أمامهم وانتقدوا سماح الحكومة للقاتل بالمغادرة. كما انتقدوا تصنيف الجريمة بأنها جرمية بحتة، وأن الضحية الأول الفتى الجواودة بدأ الهجوم فيما الضحية الثانية، سقط بالخطأ.
حتى تدخل الملك شخصيا للملمة المشهد، كشفت عواصف الأسبوع الماضي حجم الانهيار المرعب في صدقية الحكومة، وضعف قدرتها على صوغ رواية رسمية مقنعة لتهدئة الخواطر وتوضيح الأخبار التي تتدفق عبر وسائل التواصل الاجتماعي وسط تراجع دور وسائل الإعلام التقليدية الرسمية والخاصة. لم تدرك الحكومة بأن تصرفاتها غير المقنعة والتي تدل على غياب الحنكة والحكمة السياسية كادت أن تأخذ المشهد المحتقن سياسيا واقتصاديا إلى منحى أسوأ مفتوح على الاحتمالات كافة.
مرة ثانية يعلّق الملك الجرس وكأن الحكومة لا ناقة لها ولا جمل.
فلا شيء يدمي القلب أكثر من رؤية مشاهد متكررة لتصرفات مسؤولين تعطي انطباعات، قد تكون غير صحيحة في بعضها لكن من الصعب تغييرها، بأن دولتهم الرسمية غير متجانسة أو متماسكة وأن سلطاتها الثلاث لا تعرف كيف تتصرف عند وقوع الأزمات الكبرى أو الصغرى. وتعطي الانطباع أيضا بأن الرئيس والوزراء يخشون التدخل بسرعة كلما وقع حادث له شق أمني، إما بسبب نقص المعلومات نتيجة البيروقراطية أو الخشية من قول شيء قد يدفعون ثمنه لاحقا ما يفتح المجال واسعا أمام تضليل الناس بمعلومات مفبركة. ثمة حالة من الترهل بالفعل بحاجة إلى نفض وإصلاحات جوهرية تمس آليات صناعة القرار وتحمل المسؤوليات.
وسط هذه العواصف السياسية واهتزاز الأوضاع الداخلية على وقع حرائق الإقليم، يحتاج الأردن إلى تغييرات عميقة، بحيث تفرز فريقا حكوميا يملك رؤية ويرسم سياسات واستراتيجيات متكاملة. وكذلك إلى مجلس تشريعي قوي وقضاء قادر على ممارسة دوره باستقلالية تامة، إلى جانب إعلام قادر على ممارسة دوره كسلطة رابعة في كشف المستور ونشر الحقائق في مواجهة سيل الأخبار المفبركة المتدفقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
فلنقر اليوم بأننا نحصد آثار عملية التجريف التي طالت الحياة السياسية خلال السنوات الماضية، في زمن بات فيه معظم المسؤولين يجتمعون داخل غرف شحيحة الأكسجين موصدة بشبابيك سوداء، لا يلجها إلا من يجتاز فحوصا معينة.


أعلن هنا
665 x 100

أعلن هنا
325 x 80

أعلن هنا
325 x 80

أعلن هنا
325 x 80

أعلن هنا
325 x 80